السيد عبد الله شبر
272
الأخلاق
( الفصل الثاني ) في حقيقة اليقين اليقين ان يرى الأشياء كلها بقضها وقضيضها من مسبب الأسباب ومالك الرقاب ، ولا يلتفت إلى الوسائط بل يرى الوسائط كلها مسخرة لأمر اللّه وحكمه ، وإذا علم ذلك وتحقق ما هنالك حصل له الوثوق بضمان اللّه للرزق فيقطع طمع قلبه عما في أيدي الناس ، ويعلم أن ما قدر له سيساق إليه ، ثم إن يغلب على قلبه ان من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، ثم المعرفة بأن اللّه مطلع عليه في كل حال عالم بسرائره وخبير بضمائره ، ومشاهد لهواجس ضميره وخفايا خواطره ، فيكون متأدبا في جميع أحواله وأعماله مع اللّه تعالى ، ويعبد اللّه كأنه يراه ويعلم بأنه يراه ، ويكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره وتزيينه لعين اللّه الكالئة أشد من مبالغته في تزيين ظاهره لسائر الناس . وفي مصباح الشريعة : قال الصادق عليه السلام : اليقين يوصل العبد إلى كل حال سنيّ ومقام عجيب ، كذلك أخبر رسول اللّه عن عظم شأن اليقين حين ذكر عنده ان عيسى بن مريم ( ع ) كان يمشي على الماء ، فقال : لو زاد يقينه لمشى في الهواء ، فدل بهذا على أن الأنبياء مع جلالة محلهم من اللّه كانت تتفاضل على حقيقة اليقين لا غير ، ولا نهاية لزيادة اليقين على الأبد . والمؤمنون أيضا متفاوتون في قوة اليقين وضعفه : فمن قوي منهم يقينه فعلامته التبري من الحول والقوة الا باللّه ، والاستقامة على أمر اللّه ، وعبادته ظاهرا وباطنا ، قد استوت عنده حالتا العدم والوجود والزيادة والنقصان والمدح والذم والعز والذل ، لأنه يرى كلها من عين واحدة . ومن ضعف يقينه تعلق بالأسباب ، ورخص لنفسه بذلك ، واتبع العادات